سافرتُ أثناءَ دراستي للامتحانات بلا ميعادٍ للسفرِ على أجنحةِ الخيال إلى يومِ التخرج إن شاء الله ، وإن خيالي ليتجددُ كثيراً فترة الاختبارات ويسترخي لفترات ، فتخليتني أحكي :
وجاءت ومضةُ التخرجِ بطيئةَ القدوم ، سريعةَ الانقضاء ، لتحكي حكايا رُسِمت خلال سنواتِ الدراسة ، بعضُها قضى نحبه وكثيرٌ كثييرٌ مازال يتنامى أو ينتظر ، ولتضعنا نحنُ أبطال حربِ السنواتِ الستة على قارعةِ المفترق ، فأينما نولي فثمًّ وجهٌ لا يخلو من من كَبد ، وليس له من دونِ الله كاشفة .
بالأمسِ وعهدُنا بالأمسِ مااا أقربه ، وبالأمسِ فقط تخرجنا من الثانوية العامة نحملُ أحلامَ الشبابِ العسجدية ، ومنذُ ذلكَ الأمس الذي اختارَنا الطبُ فيه فصاعداً ، صارَ أمسُنا ويومُنا وربما غدُنا ، صارت جملةً متصلةً من كفاحٍ مستمر ، فمن امتحانٍ إلى امتحانٍ إلى تعويضٍ في أيامِ الإجازاتِ إلى طولِ دوامٍ ، ومن تعبٍ إلى تعبٍ أضنى ، ولأسرتنا الخشبية المتواضعة خيرُ من يشهد لنا لو أنها تنطق ، خير من يشكو طولَ اشتياقها لنا ، أو طول الدراسةِ عليها أيضاً .
بالأمسِ وعهدنا بالأمسِ ما أقربه ، درسنا التشريحَ والرهبةُ تملأ صدورنا ، وعلمَ وظائفِ الاعضاءِ والدهشة نعرفها ، حتى تعودنا ، حتى صارت النساء والولادة لا خوفَ منها ولا وجل ، ولقد كانَ التشريحُ يرعبُنا !
بالأمسِ وعهدنا بالأمسِ ما أقربه ، كللتنا دعواتُ أمهاتنا تُطمئنُنا ، وخوفهن الممتزجُ بالرجاءِ والدعاء ، إذ كنا نُمتحنُ ولا يمنعُنا إعياؤُنا من الامتحان ، كانت الكتبُ المتراصة والأوراق المتناثرة والتجميعات المتلاحقة تحاصرُنا من هنا وهناك ، ولا مفرَ إلا إلى الامتحان ، كانَ السهرُ يزيدُ وجوهنا شحوباً فكُنَّ يزدنَ صلاتهن دعاءً خالصاً لنا في ظهرِ الغيبِ ، و في حضرةِ الربِ الذي نستودعه عملنا وأنفسنا وأمهاتنا وكل ما نحب .
بالأمسِ وعهدنا بالأمسِ ما أقربه ، انتظرنا هذه اللحظة التاريخية الحاسمة ، انتظرناها بفارغِ الصبر ، ولولا أن ربطَ اللهُ على قلوبنا لما أرضانا بهذا اليوم الجليل ، انتظرناها وتاقت نفوسُنا إليها ، عدَدنا الأيامَ يوماً بيومٍ لاستقبالها ، و الشوقُ إليها في ازديادٍ كلما اقتربت ، علقنا على توفيق الله للوصولِ إليها آمالا ، أجّلنا كثيراً من النشاطاتِ احتراماً لما قبلها من استعدادات وامتحانات ، واذعاناً لموعدها ، إنها لحظتنا التي حانت ، ألا فحيَّ على الفرح ، ألا فحيَّ على مواصلةِ العمل ، ألا فحيَّ على الفلاحِ أيا أرباربِ الكفاح .
إيمان 21 مايو 2012
